القاضي عبد الجبار الهمذاني
336
المغني في أبواب التوحيد والعدل
الواجب قد يختار فيه أن لا يفعل ويصح ذلك فيه ، والإلجاء لا يمكن فيه ذلك . ولا يجوز أن يصير ملجأ إلى الضرر لدفع ضرر عظيم إلا لو « 1 » كان أقل - حتى يلتبس الحال فيه - للزمه أن يفعل ذلك . ولا يجوز أن يلزمه ذلك إلا والفعل حسن ، لأن وجوب الفعل يقتضي صفة زائدة على حسنه . فإن قال : لو كان الأمر كما ذكرتم ، لم يحسن أن يعتقد الثنوية قبح ذلك . قيل له : قد بينا من قبل ما يمنع من صحة اعتقادهم لذلك ، وأنهم يخبرون عن أنفسهم بأن لا حقيقة له كما تخبر النصارى عن اعتقادها في الواحد أنه ثلاثة . وقد بينا فيما هذا حاله أنه يجب فيمن أظهره أن يعد كاذبا أو متأولا ، ولا يصرف ما أظهره إلى ما يصح أن يعتقد . فإن قال : ما أنكرتم أن ذلك يحسن لا لدفع الضرر العظيم ، لكن لأن فيه نفعا أعظم منه ، وهو ما يلحقه من السرور بزوال الضرر العظيم عنه . قيل له : لا فرق بينك إذا قلت هذا القول وبين من قال إنما يحسن لأنه يزول عنه الغم الثابت لأجل الضرر العظيم ؛ لأنه إذا ثبت بثبوته ، زال بزواله . فلما بطل ذلك ، علم أن الواجب أن يحسن لدفع الضرر العظيم لأنه الّذي يتصوّره ويعرفه ويخافه ، وبحسنه يتحمل المضرة . وتعتبر حاله في كيفية ما يتحمله من المضرة ، فيجب أن يكون هو المعتبر . وبعد : فإن الواجب في كل هذه المسائل أن لا يتعلق الحكم فيها بما يحصل تابعا لغيره ، بل يجب أن ( يكون ) تعلقه بما يحصل « 2 » أصلا ومتبوعا . وقد بينا
--> ( 1 ) في الأصل ولو - والمراد إلا لو كان الضرر المتحمل أقل . ( 2 ) أي يكون .